الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
75
سبك المقال لفك العقال
والزمان والمكان والأكوان والأحكام فعبّر عما ظهر في عالم العلم والإرادة المسمى بالعالم الملكوتي بالأزل ، وعبّر عما ظهر في اختراع القدرة المصرفة بالحكمة المسمى بعالم الملك والشهادة بالأبد ، إذ في تباينهما ظهر الترتيب ؛ وشرعت الشرائع ، وخرجت لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، على هذه النسبة من معنى العالمين اللذين هما عالم الملك والشهادة ، وعالم الملكوت والأزل والأبد . فلا إله إلا اللّه أزلية لفراغ الخلق منها وهي من صفة عالم الملكوت . ومحمد رسول اللّه أبدية ، وهي من صفة عالم الملك ، فما يظهر من الكسب يعزى إلى الأزل ، وما نزل مع « 1 » ترتيب الأحكام بالكسب يعزى إلى الأبد ، ولهذا المعنى لما شاهد الخضر عليه السلام الضائع « 2 » في دارة العلم والإرادة التي هي ملكوتية ، وعلم أنه سيكون منه ما قص اللّه علينا فقتله ؛ فأنكر عليه موسى عليه السلام لأنه حكم على الغلام بحكم عالم الملك والشهادة ، فقال له : أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً « 3 » ؛ أي لا تقتله حتى يبلغ الزمن الذي يخرج فيه الفعل ويفعله ، وحينئذ تعاقبه عليه بالقتل ؛ فهذا حكم الشرائع المسطورة ، والأخبار المأثورة ، فقال له : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً « 4 » ، قالَ له موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي « 5 » ، وليس هذا من موسى إنكار علم ، وإنما هو إنكار اختلاف تباين الأحكام ، إذ أحكام عالم الملكوت تباين أحكام عالم الملك والشهادة من جهة الشرط والمشروط ، لأن حكم عالم الملكوت لا يقام حتى يبلغ الوقت ، ويظهر مشروطه ، فمن هنا كان إنكاره ، وإنما أسّست لك هذا لأعرفك من أين كانت همة يوسف عليه السلام ، وهمة زليخا « 6 » ، وأن الأنبياء عليهم السلام إنما نزلوا
--> ( 1 ) في ( ب ) وما نزل بعد . ( 2 ) في ( ب ) الغلام في دائرة العلم . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية : 74 . ( 4 ) سورة الكهف ، الآية : 75 . ( 5 ) سورة الكهف ، الآية : 76 . ( 6 ) من الأعلام الواردة في القرآن .